سيد قطب
673
في ظلال القرآن
موازين جديدة ، وينشئ فيها قيما جديدة ؛ ويستنقذ فطرتها من ركام الجاهلية ؛ ويمحو ملامح الجاهلية في النفس والمجتمع ؛ وينشئ ويثبت ملامح الإسلام الوضيئة الجميلة . . ثم يقودها في المعركة مع أعدائها المتربصين بها في الداخل والخارج . . اليهود والمنافقين والمشركين . . وهي على أتم استعداد للقائهم ، والتفوق عليهم ؛ بمتانة بنائها الداخلي الجديد : الاعتقادي والأخلاقي والاجتماعي والتنظيمي سواء . . ولقد كان التفوق الحقيقي للمجتمع المسلم على المجتمعات الجاهلية من حوله - بما فيها مجتمع اليهود القائم في قلب المدينة - هو تفوقه في البناء الروحي والخلقي والاجتماعي والتنظيمي - بفضل المنهج القرآني الرباني - قبل أن يكون تفوقا عسكريا أو اقتصاديا أو ماديا على العموم ! بل هو لم يكن قط تفوقا عسكريا واقتصاديا - ماديا - فقد كان أعداء المعسكر الإسلامي دائما أكثر عددا ، وأقوى عدة ، وأغنى مالا ، وأوفر مقدرات مادية على العموم ! سواء في داخل الجزيرة العربية ، أو في خارجها في زمن الفتوحات الكبرى بعد ذلك . . ولكن التفوق الحقيقي كان في ذلك البناء الروحي والخلقي والاجتماعي - ومن ثم السياسي والقيادي - الذي أسسه الإسلام بمنهجه الرباني المتفرد . وبهذا التفوق الساحق على الجاهلية في بنائها الروحي والخلقي والاجتماعي - ومن ثم السياسي والقيادي - اجتاح الإسلام الجاهلية . . اجتاحها أولا في الجزيرة العربية . واجتاحها ثانيا في الإمبراطوريتين العظيمتين الممتدتين حوله : إمبراطوريتي كسرى وقيصر . . ثم بعد ذلك في جوانب الأرض الأخرى . سواء كان معه جيش وسيف ، أم كان معه مصحف وأذان ! ولولا هذا التفوق الساحق ما وقعت تلك الخارقة التي لم يعرف لها التاريخ نظيرا . حتى في الاكتساحات العسكرية التاريخية الشهيرة . كزحف التتار في التاريخ القديم . وزحف الجيوش الهتلرية في التاريخ الحديث . . ذلك أنه لم يكن اكتساحا عسكريا فحسب . ولكنه كان اكتساحا عقيديا . ثقافيا . حضاريا كذلك ! يتجلى فيه التفوق الساحق الذي يطوي - من غير إكراه - عقائد الشعوب ولغاتها ، وتقاليدها وعاداتها . . الأمر الذي لا نظير له على الإطلاق في أي اكتساح عسكري آخر ، قديما أو حديثا ! لقد كان تفوقا « إنسانيا » كاملا . تفوقا في كل خصائص « الإنسانية » ومقوماتها . كان ميلادا آخر للإنسان . ميلاد إنسان جديد غير الذي تعرفه الأرض على وجه اليقين والتأكيد . ومن ثم صبغ البلاد التي غمرها هذا المد بصبغته ؛ وترك عليها طابعه الخاص ؛ وطغى هذا المد على رواسب الحضارات التي عاشت عشرات القرون من قبل في بعض البلاد . كالحضارة الفرعونية في مصر . وحضارة البابليين والأشوريين في العراق ، وحضارة الفينيقيين والسريان في الشام . لأنه كان أعمق جذورا في الفطرة البشرية ؛ وأوسع مجالا في النفس الإنسانية ، وأضخم قواعد وأشمل اتجاهات في حياة بني الإنسان ، من كل تلك الحضارات . وغلبة اللغة الإسلامية واستقرارها في هذه البلاد ، ظاهرة عجيبة ، لم تستوف ما تستحقه من البحث والدراسة والتأمل ، وهي في نظري أعجب من غلبة العقيدة واستقرارها . إذ أن اللغة من العمق في الكينونة البشرية ومن التشابك مع الحياة الاجتماعية ، بحيث يعد تغييرها على هذا النحو معجزة كاملة ! وليس الأمر في هذا هو أمر « اللغة العربية » . فاللغة العربية كانت قائمة ؛ ولكنها لم تصنع هذه المعجزة في أي مكان على ظهر الأرض - قبل الإسلام - ومن ثم سميتها « اللغة الإسلامية » فالقوة الجديدة التي تولدت في اللغة العربية ، وأظهرت هذه المعجزة على يديها ، كانت هي « الإسلام » قطعا ! وكذلك اتجهت العبقريات الكامنة في البلاد المفتوحة ( المفتوحة للحرية والنور والطلاقة ) اتجهت إلى التعبير